في الضفة الغربية المحتلّة، تُطلِق دولة الاحتلال عصابات المستوطنين اليهود كالوحوش السائبة على القرى الفلسطينية. يتقدّم هؤلاء المسلحون – ببنادق وجنازير ومشاعل – تحت حماية جيش الاحتلال، في مشهد لا يترك مجالاً للشك: العصابات تنفذ، والجيش يغطي، والدولة تُشَرعِن.
في الأسابيع الأخيرة وحدها، نفّذت العصابات اليهودية موجات هجوم منظمة على مدن وبلدات فلسطينية، بينما يقف جنود الاحتلال يشكلون جدار الحماية للمعتدين، ويمنعون المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في موسم قطاف الزيتون. تتكرر الصورة ذاتها: اقتحام للبيوت، ضرب للفلاحين، إحراق أشجار الزيتون، ودفع الناس بالقوة خارج أراضيهم. وكل ذلك تحت اعين العالم، وتواطؤ إعلامي غربي يكتفي بترديد رواية الاحتلال مسمّياً الهجمات “احتكاكات”.
منذ شهر أكتوبر الفائت، تعرّض المزارعون الفلسطينيون لأكثر من 259 اعتداءً. وكلما حاول المدنيون الدفاع عن قراهم قُتلوا أو اعتُقلوا. حتى أميركيون من أصول فلسطينية قُتلوا دون محاكمة، بينما القاتل اليهودي حرّ طليق. ومع ذلك، يصف وزراء في حكومة الاحتلال هذه العصابات بأنها “مدافع عن أرض إسرائيل”، في اعتراف صريح بأن المستوطنين أصبحوا ميليشيا رسمية تُستخدم كقوة صدمة في مشروع الضم الزاحف للضفة الغربية.
وفي مشهد أكثر فجوراً، اعتدت العصابات على صحافيين كانوا يوثقون موسم القطاف، بينما أطلق الجيش الغاز والرصاص المغلّف بالمطاط على المزارعين والنشطاء الدوليين. وفي 13 نوفمبر، أضرم “شبيبة صهيون” النار في مسجد، ورسموا شعارات عنصرية، وأحرقوا سيارات. كل ذلك يتم أمام جنود الاحتلال الذين لا يكتفون بعدم التدخل، بل يؤمنون الغطاء الكامل للمعتدين.
هذه ليست حالات فردية، بل سياسة ممنهجة. فالفصل القانوني القائم – قانون مدني للمستوطن اليهودي، و عسكري للفلسطيني – ليس تنظيماً إدارياً، بل جوهر الفصل العنصري اليهودي. حتى جنوب أفريقيا إبّان نظام الفصل العنصري لم تجرؤ على إنشاء عصابات بيضاء مسلحة تُطلقها على بلدات الأفارقة الأصليين كما تفعل دولة الاحتلال اليوم مع الفلسطينيين.
الإفلات من العقاب وصل إلى مستوى غير مسبوق: 97% من الشكاوى ضد المستوطنين تُغلق دون أي تحقيق، بينما 96% من القضايا ضد الفلسطينيين تنتهي بالإدانة. لم يعرف تاريخ الأنظمة العنصرية نسبة كهذه من العدالة المنحازة والتمييز الفج.
والى جانب العصابات التي ترهب السكان، يشتدّ الخناق عبر منظومة السيطرة اليومية على حياه وتحرك الفلسطينيين. فحسب صحيفة هآرتس، يوجد 877 حاجزاً عسكريا يتحكم في حركة 3.3 مليون فلسطيني، عندما يتحرك فيه المستوطنون بحرية على طرق يهودية حصرية. الحواجز ليست إجراءات أمنية، بل أدوات إذلال وتجويع. حمل الشاحنات يتعفن على الطرق، عمال لا يصلون إلى مراكز عملهم، ومرضى يموتون على أبواب الحواجز، او كما قال أحد الفلسطينيين: “إنهم يسرقون الوقت من حياتنا.”
وفي ظل هذا الجحيم، تبقى السلطة الفلسطينية عاجزة أو متواطئة، تدير تنسيقاً أمنياً مع الاحتلال بينما تُحرق بساتين الزيتون على مرمى حجر من مقارّها.
دولياً، يستمر الإفلات. الولايات المتحدة تُمطر دولة الاحتلال بالمليارات وتستخدم الفيتو لحمايتها من المساءلة. والاتحاد الأوروبي يكتفي بتصريحات “قلق” جوفاء بينما يواصل استيراد منتجات المستوطنات، التي ينعتها، بانها غير قانونية، ليكون شريكاً كاملاً في تمويل آلة الاحتلال والعصابات. أما المستوطنات نفسها فتُمول من جمعيات أميركية صهيونية غير ربحيه معفاه من الضرائب، بما فيها عائلة كوشنر، و مراكز كنسية دينية تجمع التبرعات لبناء منازل “لليهود فقط” على أراضٍ فلسطينية مسروقة.
إن تداخل عقيدة الاستيطان بسلطة الدولة ليس انحرافاً، بل هو من صميم المشروع الصهيوني. فالجيش يصنع البيئة، والعصابات تنفذ، والدولة تُضفي الشرعية. الجدار والحواجز والمناطق العسكرية المغلقة تخنق الفلسطينيين، بينما تعيث العصابات فساداً لإجبار السكان على الرحيل.
إن عنف العصابات ليس شطحة، بل نتيجة حتمية لنظام بُني على التفوق العرقي والمحو والتهجير. وما دامت الحكومات الغربية ووسائل الإعلام تغض الطرف عن الحرب الصامتة في الضفة الغربية – كما غضّت الطرف عن حصار غزة قبل السابع من أكتوبر – سيستمر الاحتلال بتسليح العصابات وإطلاقها على التجمعات الفلسطينية.
وعلى عكس غزة، لا يوجد في الضفة مقاومة مسلحة منظمة تدافع عن شعبها، ولا حرب معلنة، ولا ذريعة يمكن أن تتستر بها دولة الاحتلال. لذا تُعرّي هذه الهجمات حقيقة المشروع: قمعٌ في وضح النهار، ضد شعب أعزل، جريمته الوحيدة أنه موجود على أرضه ويرفض أن يستسلم، حتى تحوّل البقاء نفسه إلى فعل مقاوم.
ان ما يجري في الضفه ليس إلا امتداد لـ 77 عاماً من إرهاب العصابات اليهودية المُشرعن من دولة الاحتلال. ولا حاجة للبحث عن توصيف آخر: إنه تطهير عرقي بطيء، متواصل، ومقصود، والعالم العربي والغربي يتفرج.

